الشيخ محمد النهاوندي
556
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ودخله الرّعب منهم ، وترك قولي ، ولم يطع أمري ، وإن جبرئيل أمرني عن اللّه أن أبعث إليهم عمر مكانه في أربعة آلاف فارس ، فسر يا عمر على اسم اللّه ، ولا تعمل كما عمل أبو بكر أخوك ، فانّه قد عصى اللّه وعصاني ، وأمره بما أمر به أبا بكر . فخرج عمر والمهاجرون والأنصار الذين كانوا مع أبي بكر ، يقتصد بهم في مسيرهم حتّى شارفوا القوم ، وكانوا قريبا بحيث يراهم ويرونه ، وخرج إليهم مائتا رجل ، وقالوا له ولأصحابه مثل مقالتهم لأبى بكر ، فانصرف وانصرف الناس معه [ وكاد أن يطير قلبه مما رأى من عدّة القوم وجمعهم ، ورجع يهرب منهم . فنزل جبرئيل عليه السّلام فأخبر محمدا صلّى اللّه عليه وآله بما صنع هذا وأنّه قد انصرف وانصرف المسلمون معه ، ] فصعد النبي صلّى اللّه عليه وآله المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وأخبر بما صنع عمر ، وما كان منه ، وأنّه قد انصرف وانصرف المسلمون معه مخالفا لأمري عاصيا لقولي ، فقدم عليه فأخبره بمثل ما أخبر به صاحبه ، فقال رسول اللّه : يا عمر ، عصيت اللّه في عرشه وعصيتني ، وخالفت قولي ، وعملت برأيك ، فقبّح اللّه رأيك ، وإنّ جبرئيل أمرني أن أبعث علي بن أبي طالب في هؤلاء المسلمين ، وأخبرني أنّ اللّه يفتح عليه وعلى أصحابه . فدعا عليا ، وأوصاه بما أوصا به أبا بكر وعمر ، وأصحابه أربعة آلاف ، وأخبره أنّ اللّه سيفتح عليه وعلى أصحابه ، فخرج علي عليه السّلام ومعه المهاجرون والأنصار ، وسار بهم غير سير أبي بكر وعمر ، وذلك أنّه أعنف بهم [ في ] السير حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب وتحفى « 1 » دوابّهم ، فقال لهم : لا تخافوا فإنّ رسول اللّه قد أمرني بأمر وأخبرني أنّ اللّه سيفتح علي وعليكم ، وأبشروا فانّكم على خير ، وإلى خير . فطابت نفوسهم وقلوبهم ، وصاروا على ذلك السير والتّعب حتّى إذا كانوا قريبا منهم حيث يرونهم ويراهم ، أمر أصحابه أن ينزلوا ، وسمع أهل وادي اليابس بمقدم علي بن أبي طالب وأصحابه ، فأخرجوا إليهم منهم مائتي رجل شاكّين بالسلاح . فلمّا رآهم علي عليه السّلام خرج إليهم في نفر من أصحابه ، فقالوا لهم : من أنتم ، ومن أين أقبلتم ، وأين تريدون ؟ قال علي عليه السّلام : أنا علي بن أبي طالب ، ابن عمّ رسول اللّه وأخوه ، ورسوله إليكم ، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ولكم إن آمنتم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين من خير وشرّ . فقالوا له : إيّاك أردنا وأنت طلبتنا ، قد سمعنا مقالتك ، فخذ حذرك ، واستعدّ
--> ( 1 ) . حفي من كثرة المشي : رقّت قدمه أو حافره .